كلمة السيد نيكولاي ملادينوف المُمثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق في مؤتمر التحالف- بروكسل- 3 كانون الأول 2014

السيد وزير خارجية الولايات المتحدة،
شكراً لعقدكم هذا المؤتمر المهم ودعوتكم الأمم المتحدة لتقديم إيجازٍ إلى التحالف عن التطورات في العراق بما فيها الوضع الإنساني، كما أود أن أشكر السيد ينس ستولتنبرغ لاستضافتنا اليوم. لقد تشكّل هذا التحالف بطلبٍ من الحكومة العراقية لتقديم الدعم في التصدي لواحد من أخطر التهديدات لسيادة العراق وللمنطقة وللعالم.


ربما غير تنظيم"داعش" الإرهابي إسمه عدة مرات ولكن أهدافه بقيت ثابتة، فهو يسعى إلى تدمير دولة العراق واستبدالها بـ "دولة الرعب"، ويسعى إلى توسيع قوته ونفوذه وتهديد سيادة كل البلدان التي تقف في طريقه. لقد كانت إستراتيجيته تلك واضحة منذ البداية وهي ترمي إلى استغلال نقاط الضعف في المجتمع العراقي وإثارة الانقسام الطائفي وتقويض السلطة الشرعية.
وقد تكشّفت أمام أنظار العالم الوسائل التي تمارسها "داعش" كالإبادة الجماعية واستعباد النساء وتدمير الموروث الديني والازدراء الصارخ بحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية والحياة البشرية. ومنذ ستة أشهر تقريباً أصبح واضحاً أن النجاح في جهودنا يعتمد بدرجة كبيرة على عدد من العناصر المرتبطة في العراق والمنطقة.
لقد واجهت الحكومة العراقية الجديدة تحدياً تمثّل في استعادة ثقة قاعدة شعبية أوسع من مواطنيها، وكانت المهمة الُملحة بالنسبة للقيادات السياسية والاجتماعية والدينية في البلاد هي إعادة تأسيس الإطار الدستوري والعملية السياسية.
ويسرني أن أبلغكم بأن الحكومة العراقية تتخذ خطوات مهمة ضمن برنامجها المتعلق بالإصلاح السياسي والمصالحة الوطنية. وفي هذا الصدد أود أن أشيد بكل من رئيس الوزراء حيدر الــعــبــــــــادي ورئيس وزراء حكومة إقليم كردستان نيجرفان بارزاني لتوصلهما إلى اتفاق حول النفط واقتسام العوائد، الذي أنهى أزمة مستعصية دامت لسنة، ممهداً السبيل لإقرار الموازنة الاتحادية لعام 2015.
كما يسرني أن أرى أن التعاون المتزايد بين قوات الأمن العراقية والمتطوعين والمجتمعات المحلية قد أدى إلى استعادة بعض المناطق من سيطرة "داعش" بما فيها مصفاة بيجي، وأدى اقتران ذلك بإصلاح هيكلية القيادة إلى نتائج جليّة تمثلت في الاستنتاج بأنه إذا ما تم تجهيز المواطنين بالوسائل للدفاع عن أنفسهم، وإذا ما عملوا جنبا إلى جنب مع قوات الأمن العراقية وحلفاء العراق وأصدقائه –والأهم من كل ذلك- إذا ما لمسوا تقدماً سياسياً فيما يخص برنامج إشراكهم، يمكن لهم أن يهزموا "داعش".

ومن دواعي ارتياحي في هذا السياق المناقشات الجارية حول تشكيل الحرس الوطني العراقي، والذي من شأنه تمكين المحافظات من الاضطلاع بمسؤولية أكبر في الحفاظ على أمنها.

وتُعدُّ تلك خطوات أولى على الطريق الذي يتطلب في المرحلة القادمة من السلطات استعادة الأمن في شوارع بغداد، إضافة إلى معالجة الفقر وسوء الخدمات وعلى وجه الخصوص في محافظات العراق الجنوبية.

ولا يمكن لسياسات إدماج اجتماعي فعالة أن تنجح بدون استكمال برامج العدالة الانتقالية العالقة والتي تتضمن أيضاً تعديل قانون المساءلة والعدالة والمضي قدماً في إصلاح نظام العدالة الجنائية بما في ذلك شمول من يمكن اعتبارهم مؤهلين بالعفو.  

أصحاب المعالي،
لقد تفاقمت الأزمة الإنسانية في العراق على مدى الستة أشهر المنصرمة على نحو مطّرد، فمنذ بداية السنة تسببت الأزمة في تهجير 2.1 مليون عراقي، ولا يزال 2.2 عراقي آخرين يعيشون في مناطق تخضع لسيطرة "داعش" والتي تبقى إلى حد كبير خارج نطاق وصول وكالات الإغاثة، ويتم تقديم الرعاية في الوقت الراهن لـ 80000 شخص في المجتمعات المضيفة. وعلاوة على النازحين داخلياً فقد انضمّ في الأسابيع القليلة الماضية لوحدها ما يقرب من 25000 نازح من مدينة "كوباني" إلى 225000 من السوريين الذين لجئوا طلباً للسلامة في العراق.

في العراق اليوم عدد هائل من السُكان يُقدر بنحو5.2 مليون نسمة ممن هم بحاجة إلى المساعدات الإنسانية، وهذا جعله إحدى حالات الطوارئ الإنسانية الخمس ذات المستوى الثالث (L3) عالميا بحسب تصنيف الأمم المتحدة، مما يدل على الطبيعة الحرجة للوضع. وبحلول فصل الشتاء، فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــإن ثمة  800000 من العراقيين هم بحاجة إلى المساعدة الفورية وتأمين المأوى في حالات الطوارئ، وأكثر من 1.2 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة في فصل الشتاء.

وقد واجهت الاستجابة الإنسانية الشاملة عقبات جراء الأزمة المالية في البلاد. ومع ذلك، فقد تم بالفعل تأمين860 مليون دولار وفرتها الحكومة لمساعدة النازحين من خلال إيصال المساعدات، وقد بدأت المساعدة بتأمين المأوى بالفعل في المناطق التي يمكن الوصول إليها من قبل السلطات.

وفي ذات الوقت،  تستنفذ وكالات الأمم المتحدة بسرعة تبرعات الدول الأعضاء المانحة. وإنني أود أن أعرب عن تقديرنا لمساهمة الـــ 500 مليون دولار السخية من صاحب الجلالة ملك المملكة العربية السعودية، والتي حافظت على ديمومة الجهود الإنسانية للأمم المتحدة خلال فترة صعبة للغاية.

لدينا اليوم حاجة ملحة للتواصل مع الدول الأعضاء ثانية وطلب الدعم المالي، إذ  أن وكالات الأمم المتحدة الإنسانية تستنفذ الموارد المتاحة بسرعة.  وقد أطلقت الأمم المتحدة وحكومة العراق نداء مشترك لجمع نحو 2.2 مليار دولار أمريكي لتغطية توفير المساعدة الإنسانية والحماية  لنحو 5.2 مليون شخص في أنحاء العراق حتى كانون الأول 2015.

ومع أكثر من 600 مليون دولار أمريكي تمثل مساهمة سخية من قبل الجهات المانحة حتى الآن ، لا تزال الحاجة إلى مبلغ إضافي قدره 1.6 مليار دولار أمريكي على وجه السرعة. وأود أن أغتنم هذه الفرصة لأناشد أعضاء المجتمع الدولي المُمثلين هنا لدعم هذه الجهود في أقرب وقت ممكن.

أصحاب المعالي،

تتجلى إحدى النتائج الأكثر مأساوية للتدهور في الوضع الأمني في عدد الضحايا منذ بداية عام 2014، إذ قُتل ما يقرب من 12000 شخص وجُرح 22000 آخرون خلال العام. أفكارنا وصلواتنا مع الضحايا وأسرهم وشعب العراق.


وطوال هذه الفترة دعينا باستمرار إلى ضمان بذل كافة الجهود لحماية المدنيين. ولا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به. وإنني أحث حكومة العراق على ضمان أن جميع القوى، التي هي تحت قيادتها أو تلك القوى التي تعمل لدعم عملياتها،  تحترم حقوق الإنسان وكرامة السكان المحليين في المجتمعات التي تم تحريرها من داعش.

فالحاجة إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني في سير العمليات العسكرية الحالية مقتضىً لجميع الأطراف في الصراع الدائر. وهذا يشمل ضرورة  أن تجري العمليات العسكرية مع إيلاء الاعتبار الواجب لمبادئ التمييز والتناسب والضرورة.

وأود أيضا أن أحث كل من الحكومة والمجتمع الدولي إلى تقديم الدعم الفوري للمناطق المحررة حديثا. معاً، نحن بحاجة لتخطيط المساعدة لاستعادة وإعادة إعمار المناطق المُحررة حديثاً فضلا عن المحافظات التي لا تزال تحت سيطرة داعش. تقف الأمم المتحدة مستعدة للمساعدة في إعادة بناء سبل العيش والبنية التحتية والخدمات في هذه الأجزاء من العراق.

الوزراء الموقرون،

يمكن أن تكون الاستجابة للأزمة الحالية فعالة إذا كانت شاملة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية. شرع العراق بحوار مفتوح مع جميع جيرانه، وقد حان الوقت للعراق، وشركائه الإقليميين، للتواصل مع بعضهم البعض وتعزيز التعاون في مجالات عدة مثل إدارة أمن الحدود وتجنيد وتدفق المقاتلين ومنع وصول الإرهابيين إلى التمويل ومواجهة أيديولوجية العنف والتطرف وقضايا مهمة أخرى.

لقد التقيت في الأسابيع الأخيرة مع قادة كل من البحرين ومصر والأردن والكويت والمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة لحث كل منهم على دعم جهود الحكومة العراقية والشعب العراقي.

لقد جئت إلى هذا الاجتماع من زيارة قمت بها إلى طهران، حيث أطلعت الزعماء السياسيين والدينيين في جارة العراق على عملنا. وقد استجابت حكومة إيران، بموازاة جهود هذا التحالف، لطلب العراق  للمساعدة الأمنية.

وفي كل لقاءاتي، جعلتني رغبة جميع الأطراف الفاعلة في المضي قدما ومعالجة شواغل العراق بطريقة ملموسة وعملية أشعر بالإطمئنان. آمل أن تُساعد جهود جيران العراق والحلفاء والأصدقاء، بل وجميع الحاضرين هنا اليوم والعديد من البلدان الأخرى، في تعزيز التعاون خدمة للمصلحة المشتركة لمنع ظهور دولة الإرهاب الذي يشكل تهديدا إلى السلام والأمن العالميين.

وشكراً لكم .

جميع الحقوق محفوظة United Nations Iraq © 2021.