لصوتي قيمته: لماذا يعتبر صوت وسائل الإعلام مهمّاً

نصّت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الاراء دون تدخل، واستقاء المعلوما والافكار وتلقيها واذاعتها باية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية”

عند سقوط  نظام صدام حسين في عام 2003، وبعد إنتهاء سنوات إتسمت بفرض الرقابة والتضييق على الإعلام، كانت آمال الناس كبيرة في  أن تتحقق حرية حقيقية للتعبير، وتزايدت أعداد وسائل الإعلام على نحوٍ سريع.

وتوفرت للعراقيين فرصاً ثمينة للحصول على المعلومات، في ظل وجود مئات من المحطات الإذاعية والتلفزيونية وتأسيس عدد من الصحف الجديدة. ولكن بصرف النظر عن أعداد وسائل الإعلام المتوفرة، لا تزال أوضاع الصحافة يشوبها كثير من القصور.

“كان الصحفيون ووسائل الإعلام في العراق يحاولون أن يشقّوا طريقهم في ظل حرية التعبير الجديدة التي نالوها،  وفي بلد ظلت الصحافة فيه منغلقة على ذاتها لسنوات طويلة، من غير المتوقع أن تتبلور، بين عشية وضحاها، ثقافة تعترف بحرية الحصول على المعلومات وتشرّع القوانين لحمايتها”. هذا ما أكدته مسؤولة الشؤون الإنسانية لدى بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، السيدة كارين ماير، التي أجرت بحثاً مفصلاً حول المشهد الإعلامي العراقي خلال السنوات الأربع المنصرمة، اشتمل على شهادات أدلى بها مئات الصحفيين في هذا الصدد.

وفيما تكفل المادة 38(1) من الدستور العراقي  حرية الصحفيين ووسائل الإعلام، لايزال هناك الكثير مما يتعين القيام به لحماية حرية التعبير، ولايزال الصحفيون يواجهون تهديدات لاحصر لها في القيام بعملهم.

وذكر مدير مكتب حقوق الإنسان في يونامي وممثل المفوضية السامية لحقوق الإنسان في العراق، السيد فرانشيسكو موتا، “لا يزال الصحفيون والمهنيون العاملون في وسائل الإعلام، والكادر المرتبط بهم في جميع أنحاء العراق المختلفة، عرضة لمخاطر كبيرة ناجمة عن إنخراطهم بشكل نشط في تأدية مهام عملهم. وغالباً ما تتعلق هذه المخاطر بالتبليغ عن الفساد المالي والإداري أوالمظاهرات أو المسائل المتعلقة بإصلاح القوانين”.

ومن بين التحديات الرئيسية التي تواجه  الصحفيين ووسائل الإعلام، ما يتعلق بالسلامة والأمن والإفلات من العقاب والإستقلالية وتنظيم وسائل الأعلام.  وفي الواقع، أن بعض القوانين التي يتوقع سنّها مثل “قانون جرائم أنظمة المعلومات”، قد تعرضت لنقدٍ حاد من قبل وسائل الإعلام العراقية والمجتمع الدولي بسبب عدم وضوح أحكامها ولاحتوائها على عقوبات متطرفة. وقد قادت الجهود التي بذلتها الأمم المتحدة في العراق بالتعاون مع المنظمات الدولية غير الحكومية، والمجتمع المدني العراقي والبرلمان العراقي، والتي هدفت إلى زيادة الوعي بالمسائل المتعلقة بحرية التعبير، البرلمان العراقي إلى إلغاء هذا القانون المثير للجدل.

حرب المعلومات

لا يزال العراق يمثل بيئة يصعب التنبؤ بما يمكن أن يقع فيها، فالعنف والهجمات الإرهابية لا يزالان يحصدان حياة الكثيرين. والصحفيون ينقلون الأخبار عن أعمال العنف ويواجهونها في الوقت نفسه. يؤكد السيد فرانشيسكو موتا بأن “التهديد والترويع أمران مألوفان، شأنهما في ذلك شأن الإعتداءات الجسدية ومحاولات القتل وجرائم القتل.”

والبيانات هي الدليل على ذلك الوضع، فبحسب بيانات( المؤشّر العالمى السنوى لحريّة الصحافة - 2013) الذي نشرته مؤخراً  “منظمة مراسلون بلا حدود، جاء ترتيب العراق في المرتبة 150 من بين 179 بلداً. كما اعتبر البلد الأكثر دموية فيما يتعلق بالعمل في حقل الصحافة  في الفترة من 2003 إلى 2008، التي شهدت مقتل 136 صحفياً، حسب إحصاءات لجنة حماية الصحفيين.

وناهيك عن أعمال العنف، يواجه الصحفيون في العراق أنواعاً أخرى من التمييز، تشمل، من خلال الإجراءات القانونية. فالسب والقذف ليسا مجرد سببين يستدعيان اتخاذ إجراءات مدنية حيالهما، بل من الممكن أن يقعا تحت طائلة قانون العقوبات لسنة 1969 وقانون المطبوعات.

شددت السيدة ماير على أن: “العاملين في وسائل الإعلام يقعون حالياً في قبضة القانون  الذي يقيد حريتهم ولا يتيح لهم  ممارسة عملهم بالقدر نفسه من الإستقلالية التي يتمتع بها زملاؤهم في البلدان الأخرى”، وأضاف السيد فرانشيسكو بأن “الصحفيين والعاملين في الوسط الإعلامي يواجهون على نحوٍ متزايد، الإتهامات بالإنتماء إلى المجموعات الإرهابية و/أو القيام بدعمها، وغالباً ما تثار ضدهم  قضايا التشهير الجنائي”.

ثمن المعلومات

لايزال الإستقلال المالي يمثل تحدياً آخر يواجه الصحافة العراقية. ولا يزال تحقيق الإستقلال المالي أمراً عسيراً. كما أن ضعف العائد من الإعلانات التجارية ترغم كثيراً من الصحف ومحطات التلفزة على قبول التمويل من القوى السياسية.

قالت السيدة ماير أنه “ليس ثمة خيار حقيقي أمام الصحف ووسائل الإعلام سوى قبول هذا الوضع، لا لأسباب مالية فحسب، وإنما لأسباب تتعلق بالأمن أيضاً. لقد اتسم العقد الماضي بانتشار أعمال العنف على نحوٍ غير مسبوق في العراق، لذا كان حصول وسيلة الإعلام على دعم كيانٍ سياسي يجعل الأوضاع أكثر أماناً بالنسبة لها”. وغالباً ما تحول مثل هذه العلاقات المالية دون حيادية وسائل الإعلام.  

ويؤكد السيد اسماعيل زاير رئيس تحرير صحيفة الصباح الجديد، وهي صحيفة عراقية يومية مستقلة، أن “الإعلام المستقل يلعب دوراً كبيراً في هذه المعركة التي تدور رحاها بين الكيانات والميليشيات السياسية للظفر بتمويل وسائل الإعلام والسيطرة عليها. ونسبة لحساسية بعض المواضيع وتردد الصحفيين في الكتابة عنها، تصبح حرية تداول المعلومات موضع تهديد.

وشدد السيد زاير قائلاً: “ليس للحكومة أو الكيانات الأخرى تأثير مباشر على ما نكتبه. ومع ذلك فنحن نفكر كثيراً قبل كتابة أي شئ خوفاً من الميليشيات والقوى شبه السياسية. لقد أصبح الصحفيون أكثر حذراً واتسع نطاق الرقابة والضبط الذاتيين.”
وبحسب مكتب حقوق الإنسان التابع للبعثة، لا تزال أخلاقيات ومعايير نقل الأخبار في العراق دون  المستوى المطلوب. ويقول السيد فرانشسكو موتا بأنه “لاتوجد مدونة سلوك شاملة خاصة بالصحفيين، فهم ينشرون ما بدا لهم في حرية كبيرة. كما تعاني الصحافة  من التسييس بدرجة كبيرة في ظل تفضيل وسائل الإعلام لهذه أو تلك من الكتل السياسية، أو اصطباغها باتجاهات دينية أو عرقية معينة. كما أن طريقة طرح الصحفيين لما يكتبونه غير خاضعة إلاّ للقليل جداً من إجراءات ضبط الجودة.” 

أما في نظر رئيس تحرير صحيفة الصباح الجديد فإن التحديات الماثلة أمام الصحافة لا تنحصر في الإستقلالية والرقابة الذاتية فحسب، وإنما توجد مسائل أخرى عبر عن أسفه الشديد إزاءها وقال: “المشكلة الأخرى هي نقص المعلومات، فليس لدينا صلاحيات كافية للجصول على المعلومات من الحكومة.”

وتؤكد السيدة ماير القول أن: “الحصول على المعلومات وتداولها بطريقة حرة، يعد أمراً أساسياً لوجود ديموقراطية فاعلة. فعندما يعجز الصحفيون عن الكتابة النزيهة، وتقديم المعلومة الصحيحة، فلن يستطيع المواطنون  المشاركة في عملية صنع القرار والخطاب السياسي، بسبب الفراغ الإعلامي”

ولكن، لا يزال هناك سبب يدعو للأمل، يعود بشكل جزئي إلى الإنترنت. تؤكد السيدة ماير: أن “الزيادة الكبيرة في أعداد مستخدمي شبكة الإنترنت في العراق اليوم، قد أدت إلى زيادة قدرة الأفراد والجماعات على تعزيز حقهم في حرية التعبير وحقوقهم في السعي للحصول على المعلومات وتلقيها ونشرها”، وأضافت: “على وجه الخصوص، فإن المنابر الإعلامية الجديدة جعلت من الممكن لأي مواطن تقريباً التواصل مع عدد كبير من الناس في الداخل والخارج على حدٍّ سواء”

المادة 38 من الدستور العراقي تنص على:
تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب ما يلي:
اولاً :ـ حرية التعبير عن الرأي باستخدام كل الوسائل.
ثانياً :ـ حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر.
ثالثاً :ـ حرية التجمع والتظاهر السلمي.

جميع الحقوق محفوظة United Nations Iraq © 2020.