لصوتي قيمته: العراق مهد الحضارة

يذخر العراق بكثير من المعالم الثقافية الخالدة، من أشهرها اسود بابل العظيمة وبوابة عشتار ومئذنة جامع سامراء الملوية الرائعة. وتعد هذه الثروات الأثرية الهائلة، التي تؤرخ لحضارات تعاقبت على مدى قرون عديدة في هذه الأماكن، جزءاً من من التراث الوطني الذي يعتبر ملكاً لجميع العراقيين وجزءاً من تراث البشرية جمعاء.

وحق الوصول إلى هذا التراث المشترك، تكفله مجموعة من الصكوك الدولية لحقوق الإنسان. وقد جاءت الزيارتان اللتان قام بهما مكتب منظمة اليونسكو في العراق ومكتب حقوق الإنسان التابع لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ( يونامي)، ومكتب التنسيق المتكامل للشؤون التنموية والإنسانية (ICODHA)، إلى المتحف الوطني العراقي، تأكيداً لإلتزام الأمم  المتحدة الذي قطعته في عام 2013، بتعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العراق. ومثلت الزيارتان فرصة لاستكشاف المجموعات الأثرية الموجودة في المتحف والتعرف على كيفية تمكين العراقيين من الوصول إلى تراثهم الثقافي والإستمتاع به.

قال السيد فرانشيسكو موتا، رئيس مكتب حقوق الإنسان وممثل المفوض السامي لحقوق الإنسان في العراق “ يمثل المتحف الوطني العراقي رمزاً  ثقافياً عظيماً بالنسبة لشعب  العراق”. وأضاف قائلاً: “كانت هذه الزيارة فرصة بالنسبة لنا لتحديد المجالات التي  يمكن للأمم المتحدة من خلالها المساعدة في حماية هذا التراث الثقافي وتعزيزه والمحافظة عليه من أجل العراقيين كافة”.

يضم المتحف الذي تأسس في عام 1926،  مجموعات أثرية تؤرخ لحقب تاريخية تعاقبت على بلاد مابين النهرين على مدى 7000 عام، حيث يحوي قطعاً أثرية تعود إلى أزمنة ما قبل التاريخ، وأخرى إلى العصور السومرية، والأكدية، والآشورية، والبابلية و الإسلامية، وتتفاوت الآثار ما بين تماثيل صغيرة الحجم إلى أخرى كبيرة نحتت من الحجر لتجسيد الآلهة القديمة.

لقد تركت آثار الحروب المدمرة وأعمال العنف، والتي تنعكس بوضوح في شتى نواحي حياة المجتمع العراقي، بصمتها الواضحة على المتحف. فقد تعرضت مقتنياته لعمليات نهب واسعة النطاق في سنة 2003. وهرّبت آلاف القطع النفيسة إلى خارج البلاد. وما تمت استعادته حتى الآن من تلك القطع، لا يتجاوز نصف عددها المفقود، كما لا يزال مكان قرابة 10,000 قطعة مجهولاً حتى الآن. لهذا السبب، وبسبب تدهور حالة مباني المتحف، مضت سنوات عديدة حتى الآن منذ أن كان يفتح أبوابه بانتظام أمام الشعب العراقي. وحالياً، توجد في المتحف  بعض القاعات التي لا يسمح بدخولها من قبل الجمهور  إلاّ بعد حجز مسبق.

قال السيد موتا: “من الواضح أن المتحف قد واجه في السنوات الماضية بعض التحديات الكبيرة”، وأضاف “آمل أن يتمكن العراقيون قريباً من الإستمتاع بكل حرية بمشاهدة هذه المجموعات المذهلة”.  إن المشاركة في الحياة الثقافية للمجتمع بحرية تامة، حقّ كفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واﻟﻌﻬﺪ اﻟﺪوﻟﻲ اﻟﺨﺎص. ﺑﺎﻟﺤﻘﻮق اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ واﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ . والمتحف الوطني العراقي، ينظر إليه من قبل البعض كأعظم مؤسسة ثقافية في البلاد”.

يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أهمية المشاركة الثقافية، ونصّ العهد على وجوب صيانة الثقافة باعتبار ذلك خطوة حاسمة لضمان نشر الثقافة في المجتمع. وتعتبر صيانة المتحف، التي تجري اليوم، أهم عمل يتم تنفيذه لتمكين المتحف من العودة إلى استقبال زوّاره من جديد. وفي كل قاعة من قاعات المتحف  يوجد متخصصون في أعمال الصيانة، يعملون بدقة. فقد ترى أحدهم حاملاً فرشاته الصغيرة لصقل موضعٍ ما، أو آخر منهمكاً في العمل على أحد الأجهزة المتخصصة التي وزّعت على الجدران، لضبط الظروف المناخية داخل المكان حسب الدرجات المثلى المطلوبة للمحافظة على المقتنيات.

وموظفو المتحف فخورون للغاية بإنجازاتهم في الحفاظ على هذا التراث. وقد قام وفد  الأمم المتحدة بجولةٍ تعريفيةٍ خاصة في قاعات المتحف، قادهم خلالها أمين المتحف، السيد ماضي، ومديرة الدائرة التربوية في المتحف، السيدة ياس.
يقول السيد ماضي، بينما يقف في منتصف المكان الذي سيتحول فيما بعد إلى ما سيعرف بـ “القاعة السومرية” : “نحن نعمل بجد بالغ لترميم أروقة المعرض وتجديد القطع الأثرية”، يقول السيد ماضي وهو يشير إلى الأعمال التي لا تزال جارية وإلى  والقطع الأثرية الثمينة التى صفت لأول مرة في صناديق عرض جديدة.

قالت السيدة لويز هاكسثازن، مديرة مكتب منظمة اليونسكو في العراق، عقب أول زيارة لها إلى المتحف منذ تقلدها منصبها الجديد: “”لقد حققت السلطات العراقية إنجازاً كبيرا في حماية تراثنا، واسترداد آثاره المسروقة والمهرّبة”. “لكن لا تزال أمامنا تحديات كثيرة،  حيث لا يزال الدعم المقدم من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بشكل عام، في وضع حرج وسيستمر على هذا الحال”.

ولقد آتى الدعم الدولي أكله بالفعل، واستمر تدفقه من بلدان عديدة، بما فيها الولايات المتحدة وإيطاليا. ولا تزال الأمم المتحدة تمثل شريكاً هاماً مع مكتب اليونسكو في العراق، بالعمل جنباً إلى جنب مع وزارة السياحة والآثار ووزارة الثقافة وحكومة إقليم كردستان لدعم الممارسات الجيدة في مجال إدارة وصيانة المتاحف وترميم الآثار والمواقع التاريخية. كما تعمل اليونسكو على تعزيز القدرات العراقية لاستعادة الممتلكات الثقافية، القديمة والحديثة على حد سواء، والتي خرجت من البلاد بصورة غير مشروعة. وستقوم اليونسكو بتنظيم مؤتمرٍ دولي لمناقشة سبل المضي قدما لحماية التراث الثقافي العراقي، يعقد في بغداد في عام 2013، بعد مضي عشر سنواتٍ على نهب المتحف الوطني.

وفي الوقت الذي ترعى فيه أيدٍ أمينة مجموعات المتحف الأثرية، تشير مديرة الدائرة التربوية في المتحف، السيدة ياس إلى أنه لايزال هناك الكثير مما يتعين القيام به في جميع أنحاء العراق لحماية آلاف المواقع التاريخية المنتشرة في أرجاء البلاد من أيدى اللصوص، والتآكل، والإهمال. وهذا هو التحدي الكبير التالي الماثل أمام السلطات الثقافية والأمم المتحدة في العراق،. وقد ظلت اليونسكو تعمل جنباً إلى جنب مع السلطات في وزارة السياحة والآثار  وقوات الشرطة لتعزيز القدرات المحلية لحماية هذه المواقع.

وقد أوضح السيد موتا قائلاً: “”ما لم تتم حماية هذه الثروات التاريخية والثقافية، فإن الأجيال القادمة لن تتمكن من مشاهدتها”، وأضاف موتا. “صيانة هذا التراث أمر بالغ الأهمية لضمان عدم ضياعه، وبقائة سليماً حتى يتسنى لشباب العراق اكتشافه والإستمتاع بروائعه”

وبصفتها مديرة للدائرة التربوية في المتحف، كشفت السيدة ياس عن خططها بشأن البرامج التوعوية حول المجموعات الأثرية للمتحف. فقالت إنها تعمل بشكل خاص لإعداد برنامج يتضمن القيام بزيارات إلى المدارس لتعريف الأطفال بالتراث الثقافي للعراق.

ولكن التنفيذ الكامل لتلك البرامج التعليمية سيتوقف إلى أن تصبح المجموعات الأثرية جاهزة للعرض على الجمهور .

وفي ظل استمرار الدعم المقدم من المجتمع الدولي وتفاني موظفي المتحف، لن يكون ذلك اليوم بعيد. تقول السيدة ياس إن المتحف يسعى إلى فتح أبوابه من جديد في نهاية عام 2013، باعتبار ذلك الوقت فرصة مناسبة للحدث. إذ أنه في عام 2013، سيتم اختيار بغداد “عاصمة للثقافة العربية”، الأمر الذي يعد حدثاً فارقاً بالنسبة لعاصمة بلدٍ أثقلت كاهله سنوات الحرب والصراع. وستكون إعادة فتح أبواب المتحف نهاية مشرفة للعام الذي خصص لمدينة بغداد كعاصمة للثقافة، وللعراقيين كافة من خلال إتاحة هذا التراث الثقافي لجميع العراقيين من جديد.

جميع الحقوق محفوظة United Nations Iraq © 2020.