لا ديموقراطية بدون إنتخابات ولا إنتخابات بدون مفوضية مستقلة للإنتخابات

 كتبها مارتن كوبلر، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق بمناسبة اليوم العالمي للديمقراطية، 15 أيلول/سبتمبر 2012

 

خلال السنوات القليلة الماضية، كان الملايين من العراقيين رجالاً ونساءاً يعودون إلى منازلهم من مراكز الإقتراع المنتشرة في أنحاء البلاد مستعرضين، بفخر، أصابعهم المصبوغة باللون الأرجواني الزاهي الذي يرمز إلى مساهمتهم الفعالة في العملية السياسية.

 

كنت أحس بالسرور وأنا أقرأ ما كتبه مدونون  عراقيون شباب عن الإثارة والتشويق اللذين اكتنفا يوم الإنتخابات، وأتابع  النقاش الحيوي الممتع الذي دار بين تلك المجموعات التي جمعت بين الأصدقاء عبر مواقعهم الإليكترونية، بشأن من سيصوتون له والمشاعر التي إنتابتهم وهم يدلون بأصواتهم لأول مرة. وفي إشارة إلى إنتخابات مجالس المحافظات التي جرت في شهر شباط/فبراير 2009، كتب شاب عراقي بأن الفرح قد غمر قلبه  عندما شاهد سيدة مسنة قد حنت السنون ظهرها وبالكاد تقوى على المشي، وهي تدفع زوجها الجالس في كرسيه المتحرك نحو مركز الإقتراع.

 

وفي العراق، وكما هو الحال في أماكن أخرى من المنطقة، وضمن أجواء هذه المرحلة الجديدة من الديموقراطية، كانت رؤية الإصبع المصبوغ باللون الأرجواني  تدفع  بعض الناخبين إلى الإنخراط في البكاء. فهو رمز يشير بقوة إلى أن صوت الناس قد وجد  لكي يبقى. ولكن الديموقراطية في العراق تواجه بعض التحديات الخطيرة.

 

والآن تلوح في الأفق عمليتان انتخابيتان هامتان وهما إنتخابات مجالس المحافظات المقررة في آذار/مارس 2013 والإنتخابات العامة  المقررة في سنة 2014. ويعتمد قيام  هذين الحدثين الهامين على وجود كيان واحد وهو المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات.

 

تم تمديد فترة عمل المفوضية الحالية للمرة الرابعة وإلى الآن لم تستطع الكيانات السياسية في مجلس النواب الوصول إلى اتفاق بشأن تشكيلتها. وفي ظل استمرار هذه الخلافات يتعين على أبناء الشعب العراقي إنتظار الفرصة التالية لكي يتمكنوا من غمر أصابعهم في قنينة الحبر الارجواني.

 

إن إنتظار الإنتخابات يمكن أن ينطوي على تبعات خطيرة. وإن حالات التأخير  يمكن أن تقود إلى تكوين حكومات تصريف أعمال (مؤقتة) ليس بوسعها إصدار القرارات اللازمة في هذا الوقت الحرج في تاريخ هذه الأمة، مما سيكبد الشعب العراقي ثمناً لذلك وسيعوق ذلك مسيرة التقدم المحرز في استتباب الأمن وبناء المدارس ودعم المستشفيات بالكوادر وتطوير البرامج الإجتماعية وخلق الوظائف فتمضي بوتيرة بطيئة.

 

لا يمكن للعراق بعد ما حققه من كلّ هذه الإنجازات الديموقراطية الواعدة في السنوات الأخيرة، أن يخاطر بفقدان هذا الزخم وأن تتعثر خطواته في هذه المرحلة. إن صناع القرار في العراق مدينون لدوائرهم الأنتخابية بان يحققوا لها قيادة قوية تسمو فوق الإعتبارات الحزبية والطائفية. ويتجسد الضمان لتحقيق ذلك في قيام مفوضية إنتخابات مستقلة على نحو حقيقي يتم إنتخاب أعضائها على أساس االكفاءة والمؤهلات. وعلاوة على ذلك ، فالمفوضية العليا للإنتخابات هي واحدة من المفوضيات الانتخابية القليلة في المنطقة التي تعمل على ضمان إجراء عمليات  انتخابية حرة ونزيهة وشفافة. ووجود مفوضية صلبة وذات مصداقية يمكن أن يتخذ نموذجاً يحتذى به في مناطق أخري ويكون فخراً حقيقياً للعراق.

 

أريد أن يكون بوسعي في آذار/مارس 2013  تصفح الإنترنت وقراءة تعليقات الشباب العراقيين التي يتبادلونها مع أصدقائهم حول أفضل المرشحين. أريد أن أرى صوراً للنساء  في نشرات الأخبار جنباً إلى جنب مع افراد عائلاتهن وهن متلهفات للإدلاء بأصواتهن في الانتخابات. أريدهم جميعاً أن يشعروا بالثقة في العملية الديموقراطية في العراق. فهذه هي الطريقة الوحيدة التي يصبح بها العراقيون قادرين على بناء مستقبل أفضل لأنفسهم.

 

إنني أدعو الأحزاب السياسية بقوة إلى تشكيل مفوضية الإنتخابات بدون تأخير، كما أدعوها للوصول إلى إتفاق بشأنها يفضي إلى تمثيل جميع قطاعات المجتمع العراقي. وأكرر من جديد وقبل كل شئ، الدعوة إلى إنتخاب أفضل المرشحين ممن  يتحلون بالكفاءة والإستقلالية  والنزاهة.

 

فمن واجب أولئك الذين يملكون سلطة اتخاذ القرار بشأن اختيار أعضاء مجلس المفوضية، المبادرة إلى العمل الآن. فمن واجبهم أن يضمنوا للعراقيين قيام الانتخابات التي يستحقونها على النحو الذي تمليه الروح  الحقيقية لليوم العالمي للديمقراطية.

جميع الحقوق محفوظة United Nations Iraq © 2020.