طباعة

كلمة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق في المؤتمر الدولي الأول لمكافحة الإرهاب

المؤتمر الدولي الأول لمكافحة الإرهاب

بغداد 12-13 آذار 2014

دولة رئيس الوزراء السيد نوري المالكي 

أصحاب المعالي والسادة الوزراء وأعضاء البرلمان والسفراء

السادة المشاركين في المؤتمر،

 

دعوني أبدء كلمتي بشكر الحكومة العراقية على عقد هذا المؤتمر الدولي لمواجهة مجموعة من التحديات ذات الأهمية الأولية بالنسبة لشعب العراق ودول المنطقة والمجتمع الدولي برمته. إن إيجاد الحلول لوضع حد لبلاء الإرهاب هو موضوع يهمنا جميعاً.   

واليوم نعيش مع الأسف، في عالم يتوسع فيه الإرهاب بحيث لا يسلم بلد أو منطقة من تأثير التطرف. فقبل ثلاثة عشرة سنة تم ضرب مدينة نيويورك،  وربما يبقى حتى هذا اليوم أكثر الهجمات الإرهابية ترويعاً في هذا العصر. وبالأمس وبتاريخ 11 آذار، حلت الذكرى السنوية العاشرة للذين قتلوا في تفجيرات مدريد. وفي العام القادم،  ستحل الذكرى السنوية العاشرة لتفجيرات لندن. إن هذه الاعتداءات الثلاث على مدى العقد الماضي أو ما يقرب من ذلك، جذبت إهتمام الرأي العام العالمي وإلى مدى كبير قامت بصياغة النقاش حول تنامي التهديد الإرهابي على نطاق عالمي. 

 

واليوم، وحيث يتوسع وصول المجموعات المسلحة والمتطرفين إلى نطاق عالمي، كذلك يتوسع الوعي والتعاون الدوليين لمواجهة تحدي الإرهاب. ففي عام 2005، تم تأسيس فرقة العمل التنفيذية المعنية بمكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة من قبل الأمين العام بهدف تعضيد التنسيق في جهود مكافحة الإرهاب التي تقوم بها الأمم المتحدة. وبعد عام من ذلك، أي في عام 2006 أقرت الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة بالإجماع  قراراً شرع إستراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب وتنص بأن الإرهاب "يشكل واحدا من أخطر التهديدات للسلام والأمن الدوليين". 

 

واليوم، لا يوجد بلد بمنأى عن تهديد الإرهاب أو من آثاره. وشعب العراق يفهم جيداً ماذا يعني ذلك. 

كل يوم، يعاني العراقيون نساءاً ورجالا، فتياناً وفتيات من الإصابات والعوق وتدمير مصادر أرزاقهم من جراء العنف على يد الإرهابيين الذين يرفضون رؤية العراق كدولة ديمقراطية قوية حيوية وتشمل الجميع. 

باسم الأمم المتحدة في العراق اسمحوا لي أن أعبر عن تعاطفي العميق مع شعب العراق بسبب عدد الضحايا الفظيع الذي يتكبدونه كل يوم. وأود أن أثني على أفراد قوات الأمن العراقية رجالاً ونساءاً وهم يخاطرون بحياتهم كل يوم من أجل حماية المواطنين من تهديد الإرهاب وغالباً بثمن غال من أنفسهم وعوائلهم. 

وبينما نحن نتحدث، تسعى المجموعات المسلحة لإثارة موجة قوية من العنف تذكرنا بالأيام السوداء بين عامي 2006 و2008. وبالضد من تطلعات العراقيين، تحاول هذه المجموعات فرض إرادتها على أجزاء من البلاد. فهم يستهدفون قادة المجتمع والصحفيين والمسؤولين في الدولة  فهم يعتدون على الزوار وأماكن العبادة وكذلك طلاب المدارس. هدفهم هو إشعال صراع طائفي وإبقاء العراق بدون حكومة. 

وحيث أن المجتمع الدولي يتصدى للجرائم ضد الإنسانية، ينبغي علينا أن نتخذ موقفاً حازماً ضد جميع أشكال استهداف المدنيين المتعّمد وعلى نطاق واسع.  

 

سيكتب لمؤتمر اليوم النجاح، إذا ما قام بتعزيز التعاون الدولي والإقليمي ضد التهديد المتنامي للإرهاب والتطرف وإذا ما قام بمساعدة هذا البلد (العراق) على إستخدام أفضل الممارسات والدروس المستقاة من كافة أنحاء العالم مما يحقق السلام ويوطد الأمن. 

يمكن لنقاشاتكم اليوم أن ترسل رسالة مهمة للشعب وهي رسالة تضامن مع دولة تبدي طاقة تحمل منقطعة النظير وإلتزام متواصل لبناء دولة ديموقراطية. 

يمكن أن تساعد الخبرة والتجربة التي تجلبونها لبغداد اليوم في بلورة إستراتيجيات لمعالجة الأسباب الجذرية للعنف وتضع الأساس لتعاون إقليمي شامل ضد جميع أشكال التطرف والإرهاب. 

بإسم بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) والأمم المتحدة في العراق إسمحوا لي أن أقول بأننا نقف على أهبة الاستعداد للعمل مع الحكومة العراقية وشعب العراق من أجل تشجيع الحوار السياسي والإستثمار في التنمية. ومن خلال فرقة العمل التنفيذية المعنية بمكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة، بإمكاننا أن نساعد العراق لتعزيز قدرته للمساهمة في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب وتنفيذ الأركان الأربع لإستراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب. 

بينت التجربة بأن النجاح في مكافحة الإرهاب بتطلب طيفاً من المشاركات السياسية والتنموية بحيث تعزز التماسك الاجتماعي والمساءلــــة الديمقراطية وسيادة القانون. 

بيد أن الأهم من ذلك كله هو إنه يتعين على القادة العمل سوية لتخفيف التوترات السياسية وتعزيز الوحدة الوطنية. 

إن مهمة إيجاد حلول لوضع نهاية للإرهاب سوف لن تكون سهلة، إذ يتوجب اتخاذ قرارات صعبة ولكن يستطيع شعب وحكومة العراق سوية وبدعم من المجتمع الدولي، أن يجدوا السُبل لذلك. 

يترتب على الحكومة واجب حماية المواطنين. ولكن في مواجهة ظاهرة الإرهاب، سوف لن تكون المواجهة العسكرية كافية. بينت التجربة المرة مرارا وتكرارا بأن الدول التي تتبنى هكذا توجه نادراً ما تنجح. ففي الوقت الذي لا يمكن فيه تبرير الارهاب لأي سبب او اي تظلم، توجد ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية تمكّن الإرهابيين من الحصول على التعاطف وينشروا التطرف ويطوروا مفاهيم تدعم العنف. 

اسمحوا لي أن أُركز على بعض الدروس المستخلصة  وأفضل الممارسات من التجارب الدولية .

لعل أول هذه الدروس هو مفهوم حقوق الإنسان، الذي هو واحدٌ من اعظمِ ممتلكاتنا في إيجاد حلول مُستدامة لمواجهة التطرف والإرهاب.  فإذا لم تُحترم حقوق الإنسان، سوف يزدهر التطرف. وبحماية حقوق الإنسان – فسيصبح للحكومات قضية قوية ضد الإرهابيين.

 

إشراك المجتمع المحلي ربما يُمثل الدرس الثاني الأكثر أهمية. فضمان استجابةٍ امنيةٍ مناسبة، تقوم على إشراك المجتمعات المحلية في اتخاذ القرارات المتعلقة بأمنها، هو أمرٌ حيوي لنجاح عمليات مكافحة الإرهاب. فالركائز الهامة لهذا الشأن تتمثل بالقوى الأمنية المهنية وغير الحزبية وغير المتحيزة التي تتسم بالنزاهة باعتبارها الحامية للشعب.

الاستثمار في الشرطة وقوات الأمن التي تمتلك الموارد المناسبة والمُدربّة على نحوٍ جيد هو ثالث أهم درسٍ مستخلص. يبقى التدريب على جمع المعلومات الاستخبارية، وتقنيات التحقيق الجنائي مهماً لمنع الأعمال الإرهابية وملاحقة مقترفيها مع احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان، لا سيما فيما يتعلق بالاعتقالات والاحتجاز والمحاكمات.

وقد أظهرت التجربة أن تقديم الدعم الإنساني الفوري للمتضررين من العنف هو أمرٌ في غاية الاهمية. وفي هذه العملية، تمتلك وكالات الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية الدراية ذات الصلة.  وتبقى خدمات الرعاية، بما في ذلك التعويض، والحصول على الرعاية الصحية وإعادة التأهيل، والدعم المالي، وغيرها من الخدمات من الامور المهمة.

ولا يمكن لإي نهجٍ شامل ان يتسم بالكمال إن لم يواكبه حوار سياسي واسع، وسياسات اقتصادية واجتماعية شاملة ومصالحة مجتمعية .

 

وخارج  الصعيد الوطني، في عالم اليوم المتكامل لا يمكن كسب المعركة ضد الإرهاب بجهودٍ فردية. حيث يمكن تحقيق ذلك فقط في إطار التعاون الإقليمي والدولي البناء الذي يُمكّن البلدان من جني النجاح في مسعاها. وهذا يشمل، من بين جملة أمورٍ أخرى، مزامنة التشريعات ومراقبة التدفقات المالية وتطوير نظم الإدارة عبر الحدود التي تنظم حركة الناس والبضائع.  ويتعين على جميع الدول احترام اكثر من 14 من الاتفاقيات الدولية بشأن مكافحة الإرهاب.

أخيرا، اسمحوا لي أن أؤكد أن مكافحة الإرهاب على نحوٍ جيد هو شعورٌ قوي بالهوية الوطنية المشتركة – الهوية الشمولية التي تُتيح  للناس الإحتفاء بتنوعهم مع التمسك بوحدتهم .

هذه ليست سوى بعضٌ من الدروس المستخلصة  التي قد تكون مفيدة ليس فقط للعراق ، ولكن لأي بلد يواجه اليوم تهديداً ارهابياً خطيرا.

سوف تنعكس معظم هذه الرسائل والدروس على العراق والوضع الراهن في محافظة الانبار، حيث تواجه حكومة وشعب العراق تهديدا حقيقياً. انه تهديد من قبل الجماعات الإرهابية التي استخفت بالحدود الوطنية واستخدمت العنف والوحشية لتحقيق مآربها. فأنشطتها ليست مجرد تهديدٌ للعراق ولكن إلى المنطقة وخارجها. وقد اقر مجلس الأمن بذلك عندما أدان في العاشرِ من شهر كانون الثاني في بيان رئاسيٍ الهجمات من قبل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام ( داعش)  "ضد الشعب العراقي في محاولة لزعزعة استقرار البلاد والمنطقة"، وشدد "على الأهمية البالغة لاستمرار الحوار الوطني والوحدة الوطنية، والعملية السياسية الشاملة، وإجراء انتخاباتٍ حرة ونزيهة في نيسان 2014، والحق في الاحتجاج السلمي الذي  يكفله الدستور العراقي " .

ومنذ بداية شهر كانون الثاني، عمِلت بعثة الأُمم المتحدة لمساعدة العراق ( يونامي ) والأمم المتحدة  دون كللٍ على تقديم مساعدات الإغاثة للسكان المدنيين. حيث ان وكالات الأمم المتحدة الإنسانية تعمل مع وزارة الهجرة والمهجرين على تقديم المساعدة للنازحين،  والعديد من الناس الذين بقوا في مناطقهم وتضرروا  بشكل مباشر من القتال.

نحن نتطلع إلى مواصلة عملنا مع الحكومة وقوات الأمن والسُلطات المحلية في تقديم المساعدات الإنسانية لجميع انجاء الأنبار، بما في ذلك مدينة الفلوجة .

وبالنيابة عن الأمم المتحدة في العراق اسمحوا لي ايضاً أن أُبين بأننا على استعداد لمواصلة تقديم المساعدة  الإنسانية، والمساعدة في إعادة إعمار محافظة الأنبار وتعزيز الحوار بين جميع مكونات المجتمع العراقي .

السيدات والسادة،

أتيتُ  أول مرة الى العراق في عام 2006 للمساعدة في إعداد سير عمل البرلمان العراقي المنُتخب حديثاً. ومنذ ذلك الحين تابعتُ مِحن هذا البلد من قريب وبعيد.  اليوم  يقف العراق عند مفترقٍ طرق حاسم في رحلته نحو الاستقرار والازدهار. فهو إما ان يستسلم إلى العنف، أو ان ينخرط الجميع  نحو بناء دولةٍ ديمقراطية تحمي حقوق الإنسان وتحتضن جميع مواطنيها. لقد كان العراق بالفعل عند حافة الهاوية وتراجع عنها،  فشعب هذا البلد تعِبَ من العنف والانقسام. فعلى مدى ثلاثة عقود عاش الشعب تحت وطأة واحدة من أكثر الدكتاتوريات قسوةً في التاريخ. حيث شهِدَ الحروب والعقوبات الاقتصادية والعنف. أنا لم التقِ بعراقيٍ يريد العودة إلى الماضي، والعودة الى الدكتاتورية أو الى العنف الذي شاب الأعوام  2006-2008. أفضل ضمان يثري هذا البلد من أجل مستقبل ديمقراطي هو شعبه.

وفي الختام اسمحوا لي أن أغتنم الفرصة وان احث القادة السياسيين في العراق إلى وضع خلافاتهم جانباً والعمل معا لكبح جماح التهديد الإرهابي الذي يسعى الى تمزيق نسيج المجتمع العراقي.

اسمحوا لي أيضا أن أؤكد للشعب العراقي بأنهم ليسوا وحدهم وسوف تعمل الأمم المتحدة في العراق  معهم ومع ممثليهم المُنتخبين لدعم التنمية في هذا البلد ، والاستثمار في اكبر موارده ، مواطني هذا البلد.

شكرا لكم واسمحوا لي أن أتمنى لهذا المؤتمر كل التوفيق والنجاح .