طباعة

الصبي ذو الكاميرا

"التصوير الفوتوغرافي هو طريقة للإحساس، لتلمّس الأشياء،  للتعبير عن مظاهر الحب في الحياة، فما تلتقطه العدسة يبقى خالداً للأبد ليذكرنا بالأشياء حتى الصغير منها والتي تكون الأيام قد محتها تماماً من ذاكرتنا منذ زمن بعيد".

 

كنا نجلس في غرفة الانتظار في استوديو "أرسلان الجاف" للتصوير الفوتوغرافي في أحد أيام شهر كانون الثاني سنة 2013 ونجيل أنظارنا محدّقين في الوجوه الباسمة التي تطل علينا من الصور المعلقة في أرجاء الغرفة. لاحظ أرسلان نظراتنا الفضولية، فأنزل من على الحائط صورة ذات إطار وناولنا إياها قائلا "هذه أمي وأخي الأصغر رشدي وأنا، التقطت لنا بعد افتتاحي لهذا الأستوديو مباشرة في الصيف الماضي" ، كنا نستمع لما يقول ونحن نمرّر فيما بيننا الصورة التي بدأ فيها واقفاً بفخر أمام محله برفقة امرأة تبدو أكبر سناً وشاب أصغر منه في العمر. ثم استطرد وهو يعيد الصورة إلى مكانها على الحائط "ولكن الطريق لبلوغ تلك اللحظة السعيدة كان طويلاً وشاقاً"، ثم صمت للحظة وهو يمر بأصابعه على أشخاص تلك الصورة واستدار نحونا وقال "توفي أبي عندما كنت صغيراً، وكان الأمر صعباً عليَّ أن أنشأ بدون أب، كما كان صعباً على والدتي أن تعيلنا أنا وأخي..فقد اضطرّت للعمل كعاملة نظافة وكخادمة لكي تكسب ثمن أكلنا وشربنا أنا ورشدي، وكنت من جانبي أساعد في توفير نفقات المعيشة عن طريق بيع السجائر والصحف على قارعة الطريق، وعندما أصبحت أكبر سناً زاولت بعض الأعمال اليدوية لأكسب قليلاً من المال الإضافي." 

 

و لكي يهرب من واقعه المرير وجد أرسلان ملاذاً في شغفه بالتصوير الفوتوغرافي. قال مسترجعاً ذكرياته "أتذكر أبي وهو يحمل آلة التصوير دائماً، كان يحب أن يلتقط صوراً لي ولرشدي. كانت آلته عبارة عن كاميرا (كوداك) قديمة، وقد علمني كيفية استعمالها وكيفية عمل إطارات وبراويز للصور بهذا الشكل الذي ترونه الآن. وكنت  في الثامنة عشرة من عمري عندما عثرت على آلة تصوير مستعملة في السوق القريب من بيتنا وتوسلت إلى صاحب المحل أن يحتفظ بها لي، وبعد أسبوعين عدت لشرائها بعد أن تمكنت من توفير ثمنها." ذهب أرسلان إلى البيت وباشر على الفور في التقاط الصور بكاميرته الجديدة. ثم عكف أرسلان على تعليم نفسه، شيئاً فشيئاً، تقنيات التصوير الفوتوغرافي من خلال التدريب على التقاط صور لأصدقائه وجيرانه. ولم تكن كاميرته تفارقه حيثما حلّ وأينما ذهب، حتى أصبح أصدقاؤه وجيرانه يمازحونه وينادونه بالصبي ذي الكاميرا.

 

ثم صادف في أحد الأيام أن كان أرسلان حاضراً حفل زفاف ابن عمٍّ له، فقام بالتقاط صورٍ للحفل وجمعها في البوم وقدمها هدية للعروسين. وبعد مرور بضعة أشهر اتصل به صديق لابن عمه ذاك كان مقبلاً أيضاً على الزواج، وطلب منه أن يكون هو المصور لحفل زفافه.

 

وبدأ أرسلان يتخذ تدريجياً من تصوير الحفلات والمناسبات مهنة ثانوية بجانب عمله الأصلي، وأخذ صيته يذيع كمصور جيد في مدينته بعقوبة. يقول أرسلان إن تصوير المناسبات حسّن من دخله، ثم مضى سارداً ذكرياته وقال: "اعتاد الناس في تلك الفترة على دعوتي لحفلات زفافهم ومناسباتهم العائلية كي أصورها  وأجمع الصور في ألبومات أقدمها لهم، وكنت أحب أن أزاول ماكنت أعشقه، ولكني كنت أفتقد الوسيلة لتحويل ذلك العشق إلى عمل مكتمل...لم أكن أمتلك المال الكافي لإنشاء استوديو تصوير خاص بي، كما لم أجرؤ حتى على مجرد الحلم بأن أتمكن يوماً من تحمل نفقات دراستي للتصوير الفوتوغرافي، ناهيك عن الدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد."

 

ومع اندلاع الحرب في العراق، أضحت بعقوبة مكاناً خطراً على الجميع، وخصوصاً على أبناء الأقليات. فتداول أرسلان وأفراد عائلته الأمر فيما بينهم بشأن الهرب إلى الشمال، فكونهم ينتمون إلى الأقلية الكردية في بعقوبة جعلهم هدفاً لتهديدات عديدة من الجماعات المسلحة. يقول أرسلان "لم نكن نريد أن نترك موطننا وأصدقاءنا، وكنا نظن أننا بمنأىً عن الخطر، حتى جاءت تلك الليلة من شهر آذار سنة 2006. كان هناك إطلاق نار في شارع منزلنا، حيث قتل أحد أبناء عمومتي لمجرد أن اسمه لم يرق لهم! وساورتنا المخاوف حول من الذي سيأتي عليه الدور؟ لذلك قررنا عدم المجازفة بالبقاء، وجمعنا في الليلة نفسها، على عجلٍ، بعض الوثائق والملابس وفررنا شمالاً والرعب يتملكنا.

 

هربت عائلة أرسلان إلى السليمانية في الإقليم الكردي شمال العراق، قاصدين أبناء عمومة لهم، كانوا مثلهم يعانون ضيق ذات اليد، ومع ذلك حاولوا مد يد المساعدة. بحث أرسلان ورشدي عن عمل في السليمانية، وكانا بين الفينة والأخرى يحصلان على أعمال متفرقة يؤديانها لقاء أجر يومي. يقول أرسلان واصفاً مشقة الحياة في السليمانية  في ذلك الوقت: "ولكن مع وجود الكثيرين غيرنا ممن لجأوا إلى المدينة لم يكن من السهل الحصول على عمل، وقد حاول أبناء عمِّنا مساعدتنا على تحمل تكاليف المعيشة، لكنهم بالكاد كانوا قادرين على إعالة أسرهم" 

 

وسرعان ما أدرك أرسلان أن آلة التصوير كانت من بين الاشياء الكثيرة التي خلفّها وراءه عندما هرب مع أهله في تلك اليلة. ويصف إحساسه حيال ذلك قائلاً: "كنت تائها في مدينة هي ليست موطني، مكافحاً من أجل البقاء، مفارقاً لكاميرتي التي كنت أحس أني أكثر ضعفاً بدونها." حينها بدأ أرسلان يشعر بالمرض. كانت والدته مصابة بداء السكري معظم حياتها، وخشي أرسلان أن يكتشف أصابته بنفس المرض، وللأسف تحققت مخاوفه، يقول أرسلان:  "في اليوم الذي أخبرني الطبيب بإصابتي بداء السكري اسودَّت الدنيا في عيني، لم أعرف كيف لي أن أعيل أسرتي إن لم أجد عملاً! كنا بالكاد ندبر معيشتنا؟ كيف لي أن أدفع التكاليف الباهظة لأدوية أمي؟ والآن...لأدويتي؟ كانت ثلاث سنوات طويلة وكئيبة...وأفضل ألاّ أتذكّرها."

 

وفي عام 2010 قرر أرسلان وعائلته أن الوقت قد حان للعودة إلى موطنهم! إلى بعقوبة! كانت الأوضاع الأمنية قد تحسنت عمّا كانت عليه في عام 2006 حين كان إطلاق النار يتم بشكل يومي، ولكن المدينة كانت لا تزال أبعد من أن تكون مكاناً آمناً تماماً. 

 

وقد ساعد جيرانهم في الاهتمام بمنزلهم خلال غيابهم، موفرين له الحماية من اللصوص وممن كانوا يسعون إلى الاستيلاء عليه على نحوٍ غير مشروع. قال أرسلان "في أول يوم لعودتي نقّبت عن كاميرتي القديمة، ثم تجولت في أنحاء المدينة لأرى ما بقى منها على حاله، وكان يكتنفنى شعور رائع بالعودة إلى الوطن".

 

ولكن الحياة هناك كانت صعبة وكان أرسلان ورشدي لا يزالان يواجهان مصاعب في الحصول على عمل، فأيٍّ منهما لم يتلق تدريباً على أي مهارة، في الوقت الذي تُدفع فيه للعمال غير المهرة أجورٌ متدنية ويؤدون أعمالاً يدوية غاية في المشقة بالنسبة لأرسلان الذي كان يناضل من أجل السيطرة على إصابته بداء السكري. ورغم ذلك تذكر بضعة أشخاص أرسلان "الصبي ذو الكاميرا" وبدأوا يتصلون به من جديد لتصوير حفلاتهم.

 

وفي عام 2012 نبه أحد الأصدقاء أرسلان إلى برنامج إعادة تنشيط المجتمع التابع للمنظمة الدولية للهجرة. ففكر أرسلان في حلمه القديم الذي راوده منذ سنوات طويلة في أن يؤسس استوديو للتصوير الفوتوغرافي خاصاً به، فقدم طلباً للالتحاق بالبرنامج. وبعد اختياره مباشرة التحق أرسلان بدورة تدريبية حول تطوير الأعمال والخدمات، ثم تلقّى منحة عينية لينشئ الاستوديو الخاص به. فقرر أن يبني محلاً في الطابق السفلي لمنزله محوّلاً إيّاه إلى استوديو صغير للتصوير الفوتوغرافي وصالة مختصرة. "كانت الدورة التدريبية الخاصة بتطوير المشروعات مفيدة جداً. ولم يسبق أن أتيحت لي الفرصة لأتعلم المبادئ الأساسية لمسك الحسابات، وهي في الحقيقة أمر ضروري لإدارة العمل" قال أرسلان بثقة. وكجزء من المنحة العينية استلم أرسلان كاميرا احترافية رقمية جديدة ماركة كانون، مع حامل للكاميرا ثلاثي القوائم، ومظلة عاكسة للأستوديو، إلى جانب جهاز حاسوب محمول، وطابعة صور، وورق وحبر. 

 

أشرق محيّا أرسلان وهو يتجول بنا داخل محلّه وقال "بامتلاكي لهذا الاستوديو أستطيع أن أحصل على المال الكافي لإعالة رشدي ووالدتي. وبفضل المنظمة الدولية للهجرة أستطيع أنا وأمي أن نوفر ثمن الإنسولين الذي نتعاطاه. وأنا أخطط أيضاً لاستثمار جزء من ذلك الدخل في الالتحاق بدورة تدريبية الشهر القادم عن تصوير الفيديو، كي أتمكن من إضافة تصوير الفيديو إلى قائمة خدماتي التي أقدمها في المناسبات. الناس يتذكرونني من قبل قيام الحرب بوصفي "الصبي ذو الكاميرا"، ولدي زبائن قدامى وعملي مستقرٌ، على الرغم من كوني بدأت قبل شهور قليلة فقط". وأضاف مبتسماً: "في الحقيقة ينبغي علي أن انتبه إلى المواعيد، حتى لا أحجز نفسي لأكثر من مناسبة في آن واحد".

 

وبينما كنا نستعد للمغادرة، توقفنا برهة لنتوجه لأرسلان بسؤالٍ أخير. فتجولنا بابصأرنا عبر كل الوجوه المبتسمة على الجدران وسألناه: أي تلك الصور هي المفضلة لديك؟ فأجاب "كل صورة من هذه الصور مفضلةٌ لدي. فخلف كل صورة قصة فريدة، والصورة هي النهاية السعيدة لتلك القصة".

 

معلومات إضافية

  • Agency: IOM