قصة نجاح نازح داخلي: إدريس مربي النحل

إدريس في مكان العمل. تصوير: المنظمة الدولية للهجرة إدريس في مكان العمل. تصوير: المنظمة الدولية للهجرة

“إن تحويل هوايتك لتصبح مهنتك هي من أفضل الأمور التي قد تحدث لك في الحياة،” هذا ما يراه السيد إدريس نجيل وهو مربي نحل من قرية أبو خنازير الواقعة في محافظة ديالى.

قام إدريس بانتزاع العسل بحذر من خلية النحل وعرض علينا تذوقه، وقال: “أحياناً، يتخذ القدر منحى غريباً ولا يمكن التنبؤ بما تخبئه لك الحياة في جعبتها. فلم يخطر لي ولو لوهلة بأن أتحول في فترة لا تتجاوز الأسابيع من سائق سيارة أجرة إلى منتج محترف للعسل.”

وأصغينا باهتمام لما كان يقوله بينما ابتعدنا مسافة كافية عن النحل.

وأضاف قائلاً والابتسامة تعلو محياه: “علي أن أشكر أخي لهذا التغيير في مهنتي، أو الأجدر بي أن أشكر خاطفيه، أو لربما أن أشكر بدلاً من ذلك المنظمة الدولية للهجرة؟”

أضاف إدريس عندما لاحظ أننا لم نفهم تماماً ما يقصد: “إنها قصة طويلة. دعوني أقصها عليكم بالتفصيل.”

وأخبرنا إدريس أنه في عام 2006 بدأت أسرته تتلقى تهديدات من القاعدة مستغرباً “سبب استهدافها لهم إذ أن أسرته غير منخرطة بالسياسة وليس لها أي أعداء.” لكن عائلته واصلت القيام بأعمالها دون الاكتراث لتلك التهديدات.

ولكن بمضي الوقت، باتت الأوضاع في ديالى أكثر سوءاً، وبدأ العديد من أصدقاء إدريس وأفراد عائلته يختفون أو يتعرضون للقتل. وفي معظم الوقت يطلب الإرهابيون رشاوى مقابل الحماية وبات الأشخاص الذين لديهم مصدر دخل جيد أهدافاً للترويع والابتزاز. كان شقيق إدريس الأكبر منه سناً، قصي، يعمل في إحدى شركات النفط في ذاك الوقت وتلقى مراراً تهديدات وطالبته القاعدة بدفع مبالغ مالية مقابل حمايته.

بيد أن قصي رفض مراراً دفع الرشاوى إلى أن جاء يوم وكان يوم إثنين في تشرين الثاني/نوفمبر 2006 عندما لم يبق له خيار. ففي هذا اليوم لم يعد قصي من عمله إلى البيت كالمعتاد. وتلقى إدريس – شقيق قصي الأصغر سناً -  مكالمة هاتفية مروعة في المساء مفادها “أن يدفع مبلغ قدره 30 مليون دينار عراقي (25 ألف دولار أمريكي) في موعد أقصاه يوم الأربعاء” وهدده من تحدث معه بالهاتف قائلاً: “وإلا سنرسل لك أخيك الكبير مقطعاً إلى أشلاء.”

قال إدريس وهو يتذكر تلك الأحداث “لقد تملكني شعور بالخوف ولم يكن الذهاب إلى الشرطة خياراً مناسباً في ذلك الوقت الذي كانت تفتقر فيه للقوة وبعضها كان فاسداً وكان الأمر ينطوي على مجازفة هائلة، بيد أنه كان علي القيام بكل ما بوسعي لإنقاذ أخي.”

بدأ إدريس وأخاه مهند جمع مبلغ الفدية تلك الليلة، وقال: “لم يكن بحوزتي سوى 2000 نقداً واقترضت مبلغ 4000 أخرى من الأصدقاء وأفراد العائلة بيد أن المبلغ كان لا يزال غير كافٍ. وانتابنا اليأس لأننا كنا ندرك أن الخاطفين كانوا جادين في تهديدهم وأن المسألة لم تكن دعابة. لذا، قررنا بيع ما تقتنيه الأسرة من ذهب، فلم يكن أمامنا سوى يومين لجمع المبلغ ولم يكن أمامنا الوقت لخيارات أخرى.”

يعد ذهب العائلة في العراق “للزينة وللخزينة” أي أنه يُلبس كحلي وكذلك للإدخار واستخدامه في الأوقات العصيبة. دعى كل من إدريس ومهند زوجتيهما لجلب جميع حليهما وما تملكان من نقد وتحف كانتا تجمعانها منذ أجيال. قمنا بجمع كل ما لدينا من أقراط وقلادات وخواتم من أيدي زوجاتنا وذهبنا لبيعها في صباح اليوم التالي.

وأوضح إدريس قائلاً: “اعتقد أن الصائغ شعر بالرعب الذي كان يكتنفنا فلم يدفع لنا سوى نصف ثمن القيمة الحقيقة للمجوهرات. ولما لم يكن لدي خيار آخر، لم يكن بوسعي سوى بيع سيارة الأجرة التي أعمل عليها. وهذا ما فعلته في اليوم التالي. وبالتأكيد ترتب عن ذلك فقداني لعملي ومصدر رزقي واستثماري، إذ كانت سيارة الأجرة هي ما يساعدني على إعالة أسرتي، بيد أنه لم تكن باليد حيلة.”

بعد بيع سيارة الأجرة جمع إدريس مبلغاً كافياً دفعه لتحرير أخيه قصي الذي أطلق سراحه صباح اليوم التالي. وقال إدريس بينما بدأ عليه عدم الإرتياح وهو يروى القصة: “لقد تعرض قصي لضرب مبرح وكانت الكدمات تغطي جسده بالكامل، لكنه كان لا يزال على قيد الحياة. عندها، غادرنا منازلنا نحن الثلاثة مع زوجاتنا وأطفالنا متجهين إلى محافظة صلاح الدين صبيحة اليوم التالي.” لكن إدريس لم يرغب في خوض المزيد من التفاصيل حول كيفية تعامله مع خاطفي أخيه.

وقال: “لم يكن أمامنا خيار إذ كنا نعي أن الإرهابيين سيعودون مرة ثانية. ففي اليوم التالي وجدنا أنفسنا معدمين تماماً في مدينة جديدة من دون أي نقد أو عمل.”
للأسف هي قصة تكررت كثيراً في العراق.

وخلال العامين اللذين أعقبا الحادثة اقام إدريس وعائلته عند بعض أقاربهم. “لقد كانت تلك الفترة هي الأصعب في حياتي فقد كنا نعيش أنا وإخوتي على الإحسان، وعندما كان الحظ يوافينا كنا نحصل على عمل أو عملين من الأعمال غير المعتادة نحصل منهما على مبلغ زهيد. وكنا نتوجه كل صباح إلى سوق المدينة عسى أن يستخدمنا أحد ما في هذا اليوم. وكانت محاولتنا تبوء بالفشل في معظم الأحيان، ولم يكن لدينا ما يكفي لنشتري قوت يومنا.”

وبحلول نهاية العام 2008، قرر الأخوة العودة إلى قريتهم، وأوضح إدريس أنه بعد مرور عامين كانوا يأملون بأن الإرهابيين قد نسوهم، كما أنهم سمعوا بأن الوضع في ديالى بات أفضل على رغم أنها لا تزال منطقة غير آمنة.
قال إدريس: “كنا مستعدين للمجازفة لأن الحياة في المنفى كانت صعبة للغاية بالنسبة لنا.”

ولحسن الحظ كان أصدقاؤهم قد اعتنوا بأملاكهم في فترة غيابهم، وكانت لديهم قطعة أرض تسنى لهم زراعة محاصيل غذائية لاكتفائهم الذاتي. وأخبرنا إدريس: “رغم أن حياتنا باتت أفضل من العامين السابقين حينما كنا في صلاح الدين، بيد أنها لا تزال شاقة جداً، وكنا الثلاثة عاطلين عن العمل. وقبل انتقالنا إلى صلاح الدين لم يكن أخي مهند يعمل كما لم يجد عملاً بعد عودتنا. أما بالنسبة لقصي فحتى لو كان رغباً في العودة إلى وظيفته السابقة إلاّ أنه كان يخشى السفر إلى المدينة يومياً. أما بالنسبة لي، فلم يعد لدي سيارة أجرة.”

وفي منتصف عام 2010 تحسن الوضع الأمني في العراق وتمكن قصي أخيراً من العثور على عمل مرة أخرى. ونسبة لخبرته في العمل في قطاع التجارة محاسباً وظفته شركة محلية للقيام بأعمال الحسابات، لكنه كان خائفاً من التنقل في المدينة وكان يتعين على إدريس أو مهند مرافقته في طريقه من العمل وإليه كل يوم.

وفي مطلع عام 2011 اختار برنامج الأمن والاستقرار الإنساني التابع للمنظمة الدولية للهجرة إدريس لتلقي منحة عينية. ولخبرته في تربية النحل وامتلاكه صندوقي خلايا نحل للإنتاج الشخصي حصل على منحة عينية للبدء بمشروع تجاري لإنتاج العسل، وشملت المنحة 10 صناديق خلايا نحل وثلاث فرازات عسل ومضخة نحل وملابس واقية ومبيدات حشرية ومبيدات آفات زراعية.

وقدمت المنظمة لإدريس تدريباً وتوجيهاً عاماً حول تربية النحل لمدة ثلاثة أيام، وقال إدريس “لقد كان التدريب مفيداً جداً (...) ولاسيما الجزء المتعلق باستخدام المبيدات الحشرية لحماية النحل، سمعت عن هذا الشيء لكني لم أجربه من قبل، لقد استفدت كثيراً من خبرة المعلمين في المنظمة.”

وفي غضون عام تمكن إدريس من البدء بمشروع تربية نحل مربح وإدارته. واستخدم أزهار الكينا (اليوكالبتوس) والبرتقال والليمون، وأنتج نحله عسلاً كافياً يدر دخلاً يبلغ نحو 230 دولار أمريكي شهرياً. ويبيع إدريس كيلو العسل بنحو 28 دولار أمريكي لكنه لا يستطيع إنتاج كمية كافية لتلبية الطلب على العسل، لذلك “اشتريت مؤخراً ثلاثة صناديق خلايا نحل وأملك الآن 12 مجموعة خلايا بدلاً من تسعة.”

وبعد سنوات من الكفاح والعوز عادت الأسرة إلى مسارها الصحيح تقريباً، ويوفر إدريس وقصي الآن المال لمساعدة أخيهم الأصغر مهند على البدء بمشروع تربية أسماك.

“ولكي أكون محقاً، أنا أكثر سعادة في عملي مربياً للنحل من سائق سيارة أجرة (...) لا أقصد الإساءة لكني أفضل في كثير من الأحيان صحبة النحل فهي أقل ضرراً من البشر في الأوقات الصعبة...”

جميع الحقوق محفوظة United Nations Iraq © 2020.